عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
204
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
قلت هذا الغلاء المذكور في الشام هو عندنا في الحجاز رخص ، ولقد بلغ ثمن الغرارة الشامية في مكة وقت كتابتي لذكر هذا الغلاء المذكور في هذا التاريخ فوق ألف وثلاث مائة درهم . وفيها قدم حاجاً ملك التكرور موسى بن أبي بكر بن أبي الأسود في ألوف من عسكره للحج ، فنزل سعر الذهب درهمين ، ودخل إلى السلطان ، فسلم ولم يجلس ، ثم أركب حصاناً . وأهدى هو إلى السلطان أربعين ألف مثقال وإلى نائبه عشرة آلاف ، وهو شاب عاقل ، حسن الشكل ، راغب في العلم ، مالكي المذهب . قلت : ومن عقله أني رأيته في منزله في الشباك المشرف على الكعبة بحي رباط الحوري ، وهو يسكن أصحابه التالدة عند هيجان فتنة ثارت بينهم وبين الترك ، وقد شهروا فيها السيوف في المسجد الحرام ، وهو مشرف عليهم ، فيشير عليهم بالرجوع عن القتال . شديد الغضب عليهم في تلك الفتنة من رجحان عقله إذ لا ملجأ له ، ولا ناصر في غير وطنه وأهله ، وإن ضاق الفضاء بخيله ورجله . وفيها مات بمصر المفتي الإمام الجليل القدر بين الأنام ، الزاهد نور الدين علي بن يعقوب البكري الشافعي كهلاً ، وهو الذي أذى ابن تيمية ، وأقدم على الإنكار الغليظ الباهر على السلطان الملك الناصر ، وتسلم من بطشه وفتكه القاهر ، ولم يزد على الأمر بإبعاده ، وإخراجه من بلاده وقيل : إنه أمر بقطع لسانه ، فتلجلج وظهر الخوف في جنانه ، فقال السلطان لو ثبت لكان عندي عظيم الشأن . وفيها مات مخنوقاً ، الصاحب الكبير ، كريم الدين عبد الكريم بن هبة الله القبطي السلماني بأسوان ، وكان قد نفي إلى الشويك ، ثم إلى القدس ، ثم إلى الأسوان ، ثم سبق سراً ، وكان هو الكل وإليه الحل والعقد بلغ . من الرتبة ما لا مزيد عليه ، وجمع أموالاً عظيمة ، فأعاد أكثرها إلى السلطان . وكان عاقلاً ذا هيبة وسماحة ، فمرض مرة ، فزينت مصر لعافيته ، وكان يعظم الدينين ، ولم يرو ايثاره . وفيها مات في ذي الحجة بدمشق ، المفتي الزاهد ، علاء الدين علي بن إبراهيم بن